كتاب الصلح عن دية القتل الخطأ قبل الإفراج عن الجاني ورد القول بوجوبها عليه
الصلح عن دية القتل الخطأ
قبل الإفراج عن الجاني ورد القول بوجوبها عليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن من النوازل الفقهية التي يقع السؤال عنها بكثرة في هذا الزمان، ما يقع لأولياء القتيل في حالة القتل الخطأ، من تصالح مع الجاني عن دم وليهم بقدر من المال، يتنازلون له به عن حقهم في حبسه، الذي يحكم لهم به القانون في مثل هذه الحالات، مع مخالفة هذه العقوبة لأحكام الشريعة الإسلامية، ويعتاضون به عن حقهم في الدية، التي هي واجبة أصلا على العاقلة، وغير واجبة على الجاني، ما يعني وجود إكراه غير شرعي على الجاني في هذا النوع من الصلح، لأنه يقع معه وهو محبوس ظلما، في مقابل الإفراج عنه، وما أثار استغرابي في الحقيقة هو ما يوجد من فتاوى لبعض أهل العلم، تبيح لأولياء القتيل الصلح مع الجاني عن الدية بشكل مطلق، من دون تقييد له بكون الجاني خارج الحبس وقت الصلح أو داخله، وهو ما يعني شمول الفتوى بالجواز لحالة الصلح تحت الإكراه، واتضح لي فيما بعد أن العلة في توسعهم في هذا الأمر وتشجيعهم للناس عليه هو اعتقادهم لوجوب الدية على الجاني في ماله دون العاقلة في هذا الزمان، ما جعلني أهتم بالكتابة في هذا الموضوع ، لتبيين حكم الصلح عن الدية في القتل الخطأ مع الجاني قبل الإفراج عنه، والرد على القول الحادث بوجوبها عليه في ماله، مع وجود العاقلة وقدرتها على أدائها، وسوف يكون هذا البحث مقسما إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة، وفق المنهجية التالية:
تمهيد: في التعريف بأهم مصطلحات البحث.
المبحث الأول: الصلح عن دية القتل الخطأ قبل الإفراج عن الجاني.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم الصلح عن الدية مع الجاني قبل الإفراج عنه.
المطلب الثاني: الإفراج عن الجاني ليس إسقاطا للدية.
المطلب الثالث: بطلان الصلح قبل الإفراج حتى في حالة وجوب الدية على الجاني.
المبحث الثاني: الرد على القول بوجوب الدية على الجاني في هذا الزمان.
وفيه مطالب خمسة:
المطلب الأول: الدليل على وجوب الدية على العاقلة.
المطلب الثاني: الدليل على بطلان القول بوجوب الدية على الجاني مع وجود العاقلة في هذا الزمان.
المطلب الثالث: إلزام القانون للعاقلة بالدية وعدم إهماله لها.
المطلب الرابع: فرض الدية على الجاني مع وجود العاقلة إهدار لها.
المطلب الخامس: الرد على الاحتجاج بنقل التسولي على وجوب الدية على الجاني.
الخاتمة.
تمهيد: في التعريف بأهم مصطلحات البحث
قبل الخوض في تفاصيل الدراسة يحسن بنا أولا أن نطلع على شرح سريع لبعض مصطلحات مسألة الصلح عن دية القتل الخطأ تحت الإكراه، نتناول فيها التعريف بالدية، ومقدارها، والتعريف بالعاقلة الواجب عليها دفعها شرعا.
أما الدية فهي تعويض شرعي لأولياء القتيل وورثته، تدفعه لهم العاقلة وجوبا إن وجدت، وهي قيمة مالية منجمة، أي مقسمة على ثلاث سنوات، يجب دفع أول قسط منها عند نهاية السنة الأولى من تاريخ الحكم بالدية عليها ، وتقدر في مذهب الإمام مالك رحمه الله بالذهب لأهل الذهب من الحواضر والمدن، أو بالفضة لأهل التعامل بها، أو بالإبل لأهل الإبل من البوادي وأهل الرعي، ويقدر الذهب بألف دينار شرعي، والفضة باثني عشر ألف درهم، وهي بالإبل مائة ناقة، مخمسة، أي مقسمة على خمسة أسنان، بنت سنتين وابن سنتين وبنت ثلاث سنين، وبنت أربع سنين وبنت خمس سنين ، ويرى فقهاء الشافعية أن الدية تقدر بالإبل لا بالذهب مطلقا .
وقد قدرت دار الإفتاء الليبية الدية لأهل البلاد الليبية بالذهب، بما يقارب الأربعة كيلوجرام وربع من الذهب الخالص، أو بمائة من الإبل لأهل البادية ، اتباعا لمذهب الإمام رحمه الله في ذلك، بينما قدرتها دار الإفتاء الأردنية بالإبل فقط، بمائة ناقة ، مراعاة لمذهب الشافعية، القائلين بأن الأصل في تقدير الدية هو الإبل فقط، وليس الذهب ، لأثر عبد الله بن عمرو بن العاص أن الدية كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار من الذهب أو عشرة آلاف درهم من الفضة، فلما كان عهد عمر قيل له إن الإبل قد زاد سعرها فزاد قيمة الدية من الذهب إلى ألف دينار ذهبي أو اثني عشر ألف درهم من الفضة .
أما العاقلة شرعا فهي أقارب الجاني من العصبة الذكور البالغين، الموسرين، أي القادرين على دفع حصتهم منها مقسمة على ثلاث سنوات، من أبناء عمه القريبين، ثم أبناء عشيرته ثم أبناء قبيلته، ثم أبناء أقرب قبيلة لها، بحيث لا يقل عددهم عن ألف رجل، أو عن سبعمائة فقط، على قولين مشهورين للفقهاء في ذلك .
وتقسم الدية على العاقلة كاملة بالقدر الذي لا يضر بأي شخص منهم، بلا تقدير للحد الأعلى المأخوذ من كل فرد منها، بل يؤخذ من كل منهم بحسب حالته مقارنة بحالة غيره، مع مراعاة عموم الأخذ فيها من الجميع، وهو المشهور عند المالكية، وقدر بعضهم ذلك بدرهم ونصف في المائة درهم، وهناك قول آخر يرى أن المأخوذ من الرجل الواحد يجب أن لا يتجاوز في مقداره ربع الدينار الشرعي من الذهب الخالص .
المبحث الأول:
الصلح عن دية القتل الخطأ قبل الإفراج عن الجاني
وسوف أبين فيه حكم الصلح مع الجاني في القتل الخطأ أثناء وجوده في السجن قبل الإفراج عنه، من حيث القواعد العامة والأدلة الشرعية، ثم أتناول بعض الشبه التي أثيرت حول تحريم الصلح معه في هذه الحالة، لأرد عليها وأفندها، وهي كون الإفراج عن الجاني إسقاطا للحق في الدية، من الناحية القانونية، وشبهة كون الدية واجبة على الجاني لا على العاقلة من وجهة نظر المعترض، وسوف يكون ذلك من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول:
حكم الصلح عن الدية قبل الإفراج عن الجاني:
ورد في بعض الفتاوى الفقهية المعاصرة الصادرة عن مؤسسات وشخصيات علمية بارزة في العالم الإسلامي ما يدل على جواز الصلح عن الدية في حالة القتل الخطأ مع الجاني، بشكل مطلق، من دون إشارة إلى تقييد ذلك بكونه حاصلا قبل الإفراج أو بعده، مع كون غالب تلك العقود تقع مع الجاني وهو موجود داخل السجن، في مقابل إخراجه منه، ومن تلك الفتاوى على سبيل المثال، فتوى تنص على أنه: ((لأهل المجني عليه أن يصطلحوا مع الجاني ولو بأقل مما ذكر إذا رأوا ذلك، أو يعفوا عن الدية، لأنها حق لهم.)) وقد كان الأقرب للصواب في الوضع القانوني الراهن أن ينص المفتي على منع الصلح عن دية القتل الخطأ مع الجاني بالنسبة لأهل القتيل قبل الإفراج عن القاتل، وأن يقيد الجواز بشرط حصول الإفراج منهم عنه، من خلال إبداء رغبتهم الصريحة للقضاة في التنازل عن حقهم القانوني في حبس القاتل خطأ، وإخراجه من السجن، الذي يحكم به عليه، بناء على القانون الظالم الساري العمل به حاليا، وإلا كان الصلح ممنوعا شرعا، لوجود سبب ظاهر للنهي، وهو الإكراه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه .))
والجاني في القتل الخطأ يسجن بحسب القانون عقوبة له على جنايته بمقتضى المادة رقم11 من قانون المرور الليبي، الصادر سنة 1984م، والتي تنص على التالي: ((مع عدم الإخلال بأحكام قانون تحريم شرب الخمر وقانون المخدرات والمؤثرات العقلية يعاقب بالسجن كل من قتل بمركبته الآلية نفساً خطأ أو تسبب في قتلها.)) ولا يفك الحبس عن الجاني إلا برضا أهل القتيل بالإفراج عنه، وإذا تم الصلح معه وهو في تلك الحالة فإنه لا يمكن لنا القول بأنه يغرم لهم مبلغ الصلح بطيب نفس منه، وبرضاه التام، إضافة إلى أنه إن كان يصالح عن الدية، فإنها لا تجب عليه شرعا، ولا حق لأهل القتيل يدعونه على شخصه إلا مقدار حصته من الدية، وهو لا يجب عليه شيء غير ذلك اتجاههم، وبناء عليه فإنه يدفع المال في مقابل إخراجه من السجن، لا عوضا عن الدية، وهذا إكراه لا يجوز، فالأقرب للشرع هو أن يتم تقييد تلك الفتاوى بما يفيد تحريم الصلح على أولياء القتيل بشرط الإفراج منهم عن القاتل خطأ، ثم هم وإياه بعد ذلك بالخيار في التصالح أو في تركه، فإن لم يفعلوا كان الصلح محرما عليهم، ومباحا له لضرورته.
جاء في الشرح الكبير: (( (لَا إنْ أُجْبِرَ) الْعَاقِدُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَيْعِ .. (جَبْرًا حَرَامًا) وَهُوَ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ فَيَصِحُّ وَلَا يَلْزَم .))
وجاء فيه أيضا في بيان ما يقع به الإكراه: (( (أَوْ أُكْرِهَ) عَلَى إيقَاعِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي فَتْوَى وَلَا قَضَاءٍ .. (بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ) وَإِنْ قَلَّ (أَوْ سِجْنٍ) ظُلْمًا .. (وَكَذَا الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ وَالْإِقْرَارُ واليمين وَنَحْوُهُ) كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ لَا تَلْزَمُ بِالْإِكْرَاهِ بِمَا ذُكِرَ .))
وفي كتاب التبصرة للإمام اللخمي: (( والإكراه هو ما ينزل بجسم المكره، من مثلة أو ضرب أو تضييق بقيد أو سجن، أو يتقي أن ينزل به، مثل أن يهدده بقتل أو بقطع أو بضرب أو تقييد .))