كتاب إشكالية عدم إدراك المناط وعدم تحقيقه عند أهل الإفتاء الجماعي المعاصر
إشكالية عدم إدراك المناط وعدم تحقيقه عند أهل الإفتاء الجماعي المعاصر
تنقسم الدراسة إلى مطالب خمسة وخاتمة على النحو التالي:
المطلب الأول: التعريف بالاجتهاد الجماعي ونماذج من مؤسساته المعاصرة.
المطلب الثاني: مفهوم المناط وتحقيقه وأنواعه.
المطلب الثالث: عرض مجمل لتطبيقات عدم إدراك المناط وعدم تحقيقه في الفتاوى الجماعية المعاصرة.
المطلب الرابع: عرض مفصل لتطبيقات إشكالية عدم إدراك المناط وعدم تحقيقه في الفتاوى الجماعية المعاصرة.
الخاتمة.
المطلب الأول: التعريف بالاجتهاد الجماعي ونماذج من مؤسساته المعاصرة:
يعرف الاجتهاد الجماعي في صورته الواردة عن السلف بأنه: جمع المجتهدين المتصفين بالعلم الشرعي التام، والورع والتقوى، والاستقلال عن السلطان وأصحاب النفوذ والمال، للتشاور في قضية شرعية مشكلة، من أجل إبداء الرأي فيها . كما ورد في عدد من الآثار، منها ما رواه ابن عساكر عن أبي حصين أنه قال: ((إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر .)) وما رواه البيهقي عَن مَيْمُونِ بن مِهْرَانَ، أن أبا بَكْرٍ كان إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ خَصْمٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ الله وسنة النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ، ((وَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ دَعَا رُؤُوسَ المُسْلِمِينَ وَعَلَمَاءَهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الأَمْرِ، قَضَى بِهِ، قَالَ جَعْفَرٌ: وَحَدَّثَنِي مَيْمُونٌ أَنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .))
وعند المعاصرين يمكن تعريف هذا النوع من الاجتهاد بما ذكره بعضهم، من أنه: ((استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعا أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور .)) وذكر صاحب التعريف أن وسيلة تحقيق ذلك في هذا العصر هي بإقامة مجمع فقهي معتبر، تتوفر فيه مجموعة من الأمور، هي:
1_ أن يتكون من أغلب المجتهدين في العالم الإسلامي.
2_ أن يرشح الشخص لعضوية المجمع على أساس فقهه وورعه، وليس على أساس منصبه الرسمي، أو ولائه لحكومة.
3_ أن يتحقق في العضو أهلية الاجتهاد، بشروطها المعتبرة، مع بيان أن الاجتهاد الجزئي كاف في ذلك.
4_ أن يكون المجمع مستقلا عن هيمنة أي سلطة أو نظام إقليمي.
5_ أن يتمتع المجمع بالاستقلال في موارده المالية وإمكاناته.
6_ أن يتحرر من ضغط الواقع، بحيث لا يكون مجرد أداة لتبريره .
أهم نماذج الاجتهاد الجماعي المؤسسي في العصر الحديث:
تعددت مؤسسات الاجتهاد الجماعي المعاصرة وكثرت، ولا يتسع هذا البحث للتعريف بها كلها، لكن لعل أهمها وأشهرها، أو أكثرها تأثيرا في الفتاوى الشرعية المعاصرة أربع مؤسسات، هي:
1_ مجمع الفقه الإسلامي الدولي، التابع لمنظمة العالم الإسلامي، بمدينة جدة.
2_ مجمع الفقه الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي، بمدينة مكة المرمة.
3_ هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، بالمنامة.
التعريف بطريقة عمل بعض مؤسسات الإفتاء الجماعي المعاصرة:
أولا: طريقة عمل مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة:
إذا ألقينا نظرة على النظام الأساسي للمجمع، سنجد أن قراراته تتخذ بأغلبية ثلثي الحاضرين من الأعضاء، وأن أعضاءه ينقسمون إلى نوعين:
أحدهما: أعضاء عاملون، لهم حق التصويت على القرارات.
والنوع الثاني: أعضاء مراسلون، من الخبراء والعلماء، لا يحق لهم التصويت.
أما أعضاء المجمع العاملون، فينقسمون إلى نوعين أيضا: أحدهما: أعضاء تعينهم دولهم، بما لا يتجاوز عضوا واحدا لكل دولة، وهم 57 عضوا، والثاني: أعضاء يختارهم المجمع، بما لا يتجاوز عضوا من كل بلد، وعددهم الفعلي 17 عالما، أما الخبراء والفقهاء الذين لا حق لهم في التصويت فعددهم 121 عضوا .
ثانيا: طريقة عمل مجمع الفقه الإسلامي بمكة:
ينص النظام الأساسي للمجمع على أنه يتكون من مجموعة مختارة من الفقهاء، يصل عددهم إلى أربعين عالما، من دون نشر آلية اختيار تلك الأسماء والاقتصار عليها دون غيرها .
ثالثا: طريقة عمل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية:
يمر عمل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) في إقرارها لمعاييرها الخاصة بها بمراحل متعددة، تبدأ من القيام بإعداد مشروع المعيار للعرض، ثم عرضه بالفعل ومناقشته، وكيفية إقراره، وتنتهي بنشره ومراجعته، وما يهمنا هنا هو آلية عمل هذه المؤسسة المتعلقة بالنظر في تلك المقترحات وإقرارها كمعايير شرعية، وما ورد في مقدمة تلك المعايير الصادرة رسميا عن الهيئة هو أنها: ((تصدر عن مجلس شرعي، يضم قرابة عشرين فقيها من العالم كله. )) وأن المعيار محل النقاش يتم إقراره بأغلبية الأعضاء ، وأن أعضاء المجلس الشرعي يعينهم مجلس الأمناء، لمدة أربع سنوات، وأنه يتم اختيارهم من بين الفقهاء الذين يمثلون هيئات الرقابة الشرعية، وأن أعضاء مجلس الأمناء تعينهم الجمعية العمومية، التي تتكون من ممثلي مؤسسي الهيئة، والمؤسسات الأخرى المشتركة فيها ، بشرط تسديد رسوم عضوية ورسوم اشتراك سنوي، وأن الأعضاء المؤسسين للهيئة هم: البنك الإسلامي للتنمية، ومجموعة دار المال الإسلامي، وشركة الراجحي المصرفية للاستثمار، ومجموعة دلة البركة، وبيت التمويل الكويتي .
مقارنة الاجتهاد الجماعي الوارد في التعريف مع التطبيق العملي له:
من خلال ما سبق يتبين لنا وجود فارق كبير بين الاجتهاد الجماعي المعاصر في تطبيقه العملي والاجتهاد الجماعي الوارد عن السلف، أو الذي ذكره المعاصرون في تعريفهم النظري، ويمكن تلخيص تلك الفروق فيما يلي:
أولا: أن أبا بكر وعمر وعليا وغيرهم من الخلفاء المطبقين لمبدأ الاجتهاد الجماعي كانوا يجمعون للقضية الواحدة أهل بدر كلهم، أو جميع الصحابة، أو جميع القادرين على الاجتهاد، دون اقتصار على عدد محصور منهم، أو اتجاهات معينة فقط، كما هو الحال في هذا الزمان، الذي صارت فيها أسماء المدعوين للمشاركة من أصحاب الحق في التصويت تختار بصورة انتقائية، من قبل أصحاب النفوذ والسلطان، وباعتبارات غير علمية، مثل كونهم ممثلين لجهات رسمية سياسية، أو لإدارات مؤسسات مالية ولمالكيها، يستبعد فيها المخالف، ويستدعى الموافق، مع الاقتصار في الدعوة من كل بلد على ممثل واحد، وربما اثنين، مع أن عدد الفقهاء في ذلك البلد لا يقل عن العشرات إن لم نقل المئات، وفيه من المدارس الفقهية ووجهات النظر المتعددة في مواضيع النقاش ما يكاد يصل إلى مستوى العشرات، ومع كون كل دولة فيها من المدن العظيمة، والقرى العامرة بالذكر والفقه، ما لا تستوعبه تلك المجامع.
الثاني: أن الاجتهاد الجماعي المعاصر مختلف عن الاجتهاد الجماعي الذي كان في عهد الصحابة ومن بعدهم من قرون السلف، من حيث إن أفراد الجماعة المفتية قديما كانوا مجتهدين، أي أنه كان كل واحد منهم مؤهلا للاجتهاد على انفراده، وكثير من أعضاء الجماعة المعاصرة لا تتحقق فيها هذه الصفة، لا بشكل مطلق، ولا حتى جزئي، حيث تلاحظ على قراراتها الصادرة عنها بأغلبية أعضائها إشكاليات أصولية وفقهية فاحشة، تشير إلى خلل واضح في صفة الاجتهاد الجزئي في كثير منهم، مثل الإشكاليات التي تهتم هذه الدراسة بتبيينها وجمع عدد من تطبيقاتها، وإذا كان المجتهد المنفرد في ذاته غير متوفر، فإنه لا يمكن أن يكون هناك اجتهاد جماعي، يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: ((ولا يسوغ الاجتهاد بالرأي لجماعة إلا إذا توفرت في كل فرد من أفرادها شرائط الاجتهاد ومؤهلاته .)) وعلق عليه الشيخ عبد المجيد السوسوة بقوله: ((لأن الجماعية في الاجتهاد لا يقصد بها أن تكون بديلا عن شروط الاجتهاد فيمن يقوم به، ولكن المقصود بها أن الاجتهاد الصادر عن جماعة من المجتهدين يكون أكثر قوة من الاجتهاد الصادر عن فرد مجتهد، وذلك باعتبار أن رأي الجماعة أقوى من رأي الفرد، وأيضا فإن عدم توفر شروط الاجتهاد في أعضاء الاجتهاد الجماعي، يؤدي إلى أن يضم مجلس الاجتهاد الجماعي مجموعة من غير المجتهدين، وبالتالي لا يمكن أن يقال عن عملهم إنه اجتهاد فقهي شرعي .))
الفرق الثالث: أن الخلفاء السابقين من عمر وعلي وغيرهما كانوا لا يسوون بين الفقيه وغيره في تلك المجامع، ولا يطلبون الفتوى إلا من أهل النظر والدين، بخلاف المجامع المعاصرة، التي تضم في أعضائها من الباحثين من لا يستحق صفة الفقيه أو حتى طالب العلم، ثم تعتبر في قراراتها الكثرة بالتصويت، حتى لو كانت النتيجة أن تميل الكفة والغلبة للباحثين القاصرين بالكثرة العددية، في مقابلة الكفة المتضمنة للقلة من الفقهاء الحقيقيين.
الفرق الرابع: عدم توفر أي قدر من الاستقلالية لتلك المؤسسات عن الحكومات والمؤسسات الرسمية والمالية التي تتبعها، وقوة سيطرة رأس المال الإسلامي على تسيير دفة تلك المؤسسات.
يقول الشيخ الزرقا عن مجمع الفقه الإسلامي بجدة: إن هذا المجمع لا تدل قرائن الحال على جديته في تنفيذ الفكرة على الصورة الصحيحة المنشودة ، ويقول الدكتور توفيق الشاوي عنه أيضا: إن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي احتفظت لها بسلطات كبرى على المجمع وتعيين أعضائه، وحصرت حق المجمع في ألا يعين أو يختار من أعضائه إلا فيما لا يزيد عن ربع عدد الأعضاء الذين يمثلون دولهم .
وكما بينت في مقدمة البحث فإنه سوف يكون تركيزي في هذه الدراسة على التطبيقات محل الإشكال الواردة في مدونة معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، أيوفي، لتضمنها لخلاصة ما استوعبته المؤسسات الاجتهادية المعاصرة السابقة لها، واستدلالها المتكرر بقرارات تلك المؤسسات، ونظرا لما تتمتع به من شيوع ورواج في العمل المالي الإسلامي المعاصر.
المطلب الثاني: مفهوم المناط وتحقيقه وأنواعه:
عرف الغزالي مَنَاط الْحُكْمِ بأنه: ((مَا أَضَافَ الشَّرْعُ الْحُكْمَ إلَيْهِ، وَنَاطَهُ بِهِ، وَنَصَبَهُ عَلَامَةً عَلَيْهِ .)) فهو الصفة الموجودة في محل الحكم، التي جعلها الشارع علامة على كونه هو محل الحكم شرعا، أي على لحوق الحكم به، فمناط تحريم الخمر وكونه خمرا هو الإسكار، وبناء على ذلك فكل ما توفرت فيه صفة الإسكار بتعريفها وشروطها المنصوص عليها شرعا أو المستنبطة من النصوص كان خمرا، دون ما لم تتوفر فيه، وكذلك جهة القبلة، هي ما توفرت فيها صفة معينة، تختلف من بلد لآخر، ككونها شرقية أو جنوبية أو ما بين المشرق والمغرب، ومثل كون العدالة سببا لقبول الشهادة، والسفر بمسافة معينة سببا للقصر، والجهالة الفاحشة سببا في فساد العقد، وكثرة الفعل سببا لإفساد الصلاة، ونحو ذلك.
أما تحقيق المناط فهو كما قال الشاطبي وابن تيمية: النظر في تعيين محل الحكم الشرعي، بإثبات وجود معنى كلي فيه، جعله الشارع علامة عليه ، وينقسم إلى نوعين، أحدهما تحقيق المناط في النوع، والآخر هو تحقيق المناط في الأعيان والأفراد، فالأول واجب على المجتهد المطلق أو المقيد أو مجتهد التخريج، والثاني فريضة على الفقيه المقلد، وعلى كل مكلف أيضا، وهو ما سيتضح أكثر بالمثال فيما يلي:
أولا: تحقيق المناط في النوع: وهو التحقق من وجود علة الحكم في الفرع بعد تقرر كونها علة له ، وهو نوع من الاجتهاد والقياس، مثل أن يتقرر كون علة حرمة الربا هي الاقتيات والادخار مثلا، ثم يتم التحقق من وجود تلك العلة في بعض أنواع الطعام أو عدم وجودها، كالتين الجاف ، ومن أمثلة ذلك أيضا العلم بأن السرقة مناط للحكم بقطع اليد، فيحقق المجتهد وجودها في النباش أو عدمه، لأخذه الكفن مما هو حرز مثله .
ثانيا: تحقيق المناط في الأفراد، وهو إثبات أو نفي وجود المعنى الكلي الذي جعل الشارع الذات المتصفة به محلا للحك، في شخص معين أو في ذات معينة، لإلحاق الحكم بها، مثل التحقق من أن جهة بعينها هي جهة القبلة، أو اتصاف شهود معينين بالعدالة، بعد الاتفاق على وجوب توفرها فيهم، وهو عمل الفقيه المقلد، من خلال تطبيق قواعد الفقه وكلياته على آحاد المسائل، وليس من القياس الاجتهادي، يقول ابن قدامة: ((ومعناه أن تكون القاعدة الكلية متفقًا عليها، أو منصوصًا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع، ومثاله قولنا في حمار الوحش بقرةٌ، ... فنقول: "المثل واجب، والبقرة مثل، فتكون هي الواجب، ومنه الاجتهاد في القبلة ... وكذلك تعيين الإمام، والعدل، ومقدار الكفاية في النفقات ونحوه .)) ويقول عنه بدر الدين المقدسي في كتابه التذكرة إنه ((ليس بقياس، لأنه متفق عليه، والقياس مختلف فيه .))
هل يجوز تحقيق المناط بنوعيه لغير المجتهد؟
تتابعت نصوص العلماء عند تقسيمهم للنظر الاجتهادي إلى تحقيق مناط وتخريج مناط وتنقيح مناط على تسمية تحقيق المناط بأنه اجتهاد، لكنهم عند تقسيمهم له إلى تحقيق مناط في الأنواع وفي الأفراد نصوا على الفرق بينهما في الأهلية المشترطة للقيام بكل منهما، فعندما تكلم الشاطبي عن تحقيق المناط العام في الأفراد والجزئيات، كتعيين جهة القبلة، والعدل في الشهادة، والفقير في الوصية، والفعل الكثير المفسد في الصلاة، قال إنه واجب على كل مكلف في نفسه، وليس مباحا فقط، ولا مقصورا على الفقهاء المجتهدين، فقال: ((وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَنُصَّ عَلَى حُكْمِ كُلِّ جُزْئِيَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَإِنَّمَا أَتَتْ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةٍ، تَتَنَاوَلُ أَعْدَادًا لَا تَنْحَصِرُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلِكُلِّ مُعَيَّنٍ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ ... فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ نَاظِرٍ وَحَاكِمٍ ومُفْتٍ، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ .))
بينما نص القرافي فيما يتعلق بالنوع الثاني، وهو تحقيق المناط في النوع، أي في مسألة غير منصوص عليها بعينها للمجتهد، لكن يراد إلحاقها بما هو منصوص عليه من مسائل، من نفس نوعها، مما هو شبيه بها ومشترك معها في المعنى، ذكر أن ذلك غير مباح لكل مكلف، ولا لأي مفت، إلا من تحققت فيه شروط خاصة، تبيح له الاجتهاد بالقياس، مبينا أن الفقيه المقلد ((إذَا وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ، لَيْسَتْ فِي حِفْظِهِ، لَا يُخَرِّجُهَا عَلَى مَحْفُوظَاتِهِ، وَلَا يَقُولُ هَذِهِ تُشْبِهُ الْمَسْأَلَةَ الْفُلَانِيَّةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَحَاطَ بِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَأَقْيِسَتِهِ وَعِلَلِهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مُفَصَّلَةً، وَمَعْرِفَةِ رُتَبِ تِلْكَ الْعِلَلِ وَنِسْبَتِهَا إلَى الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ أَوْ الْحَاجِيَّةِ أَوْ التَّتْمِيمِيَّةِ، وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمُنَاسِبِ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ؟ الَّتِي هِيَ أَدْنَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَتْ لَهَا أُصُولُ الشَّرْعِ بِالِاعْتِبَارِ؟ أَوْ هِيَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّبَهِ أَوْ الْمُنَاسِبِ أَوْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ أَوْ قِيَاسِ الْإِحَالَةِ أَوْ الْمُنَاسِبِ الْقَرِيبِ؟ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَقْيِسَةِ وَرُتَبِ الْعِلَلِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ .))
وسوف يكون موضوع هذه الدراسة منصبا على التطبيقات الخاصة بالنوع الثاني من تحقيق المناط، المتعلق بالأفراد دون الأنواع، لأن ثبوت وجود خلل وإشكال في هذا النوع، الذي هو واجب على الفقيه المقلد، يثبت وجود خلل وضعف عن إدراك القسم الثاني، المتعلق بالعلة والقياس والتخريج بشكل أوضح وأبين، وهو ما ينكشف معه للمتأمل كم هو بعيد ادعاء وتسمية تلك المؤسسات بمؤسسات الاجتهاد الجماعي، أو الاستغناء بالرجوع إليها في الفتوى المعاصرة عن مراجعة مدونات الفقهاء والمجتهدين السابقين، مع عجزها حتى عما هو واجب على الفقيه المقلد.
المطلب الثالث: عرض مجمل لتطبيقات إشكالية عدم إدراك المناط في الفتاوى الجماعية المعاصرة.
نظرا لكثرة تطبيقات هذه الإشكالية، التي تصل في مجموعها إلى أكثر من عشرين تطبيقا، وأهمية تلك التطبيقات وشيوعها، وكون الإحاطة بها أمرا فيه مشقة وصعوبة، فسوف يكون منهجي في هذه الدراسة قائما أولا على عرضها بشكل مجمل في مطلب مستقل، ثم أعود لبيانها بشكل أكثر تفصيلا، في مطلب خاص، أبين فيه نص المعيار المتضمن لتلك الإشكالية، وتوضيح محل الإشكال منه، والنقول المؤيدة لذلك، وهذه التطبيقات محل الإشكال إجمالا هي:
1_ الخلط بين التغرير والغرر، لأن إعلام أحد طرفي العقد للآخر بوجود غرر فيه لا يرفع صفة الغرر عنه، بخلاف التغرير الذي هو الخداع، بخلاف ما تنص عليه قرارات المؤسسات المعاصرة بخصوص الشركات ذات المسؤولية المحدودة، التي تقول إن إعلام الشركة للمتعاقد معها بعدم مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة اتجاهه عند إفلاس الشركة يرفع سبب الحظر عنها.
2_ أن الالتزام بالسلف في نفس عقد الإجارة شرط فيها، وهو مناط للنهي عن إجارة وسلف، وليس مجرد التزام بالوعد الملزم، خلافا لما ذكرته المعايير في نصها على جواز إدراج شرط الالتزام بالسلف على شركة التأمين في نفس العقد، من باب إنه مجرد التزام ووعد.
3_ أن الالتزام بسلع مؤجلة في الذمة دين، وهو مناط للأحكام المترتبة على الديون، خلافا لما نصت عليه المعايير في الشرط الجزائي، من أن الالتزامات غير النقدية ليست ديونا، ولا يحرم فيها الشرط الجزائي.
4_ أن شرط مصلحة مالية للدائن في عقد الدين هو مناط لربوية العقد لا دليل على إباحته، خلافا لما ذكر في المعايير في مستندات جواز اشتراط حلول الأقساط على المدين بالمماطلة.
5_ أن مناط جواز الاتفاق على حلول الدين المؤجل بالتأخر في السداد عند الحنفية هو حالة التطوع بالأجل في الدين دون الدين المؤجل ابتداء، لا كما احتج به في مستندات المعايير على جواز ذلك في الديون المؤجلة ابتداء.
6_ أن شرط عقد تبرع في عقد معاوضة وتعليقه به يجعل الموهوب جزءا من عقد المعاوضة، ومناطا لاشتراط كل ما يجب اشتراطه فيه، وتطبيقات ذلك الإشكال في المعايير هي:
أ: تعليق عقد الهبة على عقد إيجار في الإيجار المنتهي بالتمليك هو عقد بيع وتمليك لذات بعوض، وليس عقد الإيجار.
ب: أن اشتراط الهدية لمن يشتري من البائع أو يتعاقد مع الموجب في عقد المعاوضة هو جزء من ذلك العقد، لا عقد هبة مستقل، بخلاف ما تقوله بعض القرارات التي تبيح التزام البائع بهدية متوقفة على السحب لمن يشتري منه.
7_ أن اقتران عقد المعاوضة بصدور وعد ملزم من أحد طرفيه يعتبر اشتراطا للموعود به، وليس مجرد وعد منفصل عن العقد، كما تقول المعايير في عقد الإجارة المنتهي بالتمليك، وبه يتحول عقد الإجارة إلى عقد بيع ونقل للملكية.
8_ أن مناط تحريم العينة في صورتها المحرمة بالإجماع هو الالتزام بإعادة بيع ما اشتري من شخص للبائع الأول نفسه بثمن أكثر لأجل أبعد من وقت استلام الثمن الأول، وليس ذلك مشروطا بعدم تغير قيمتها أو عدم تغير ذاتها قبل العقد الثاني، خلافا لما ذكرته المعايير من إباحة الالتزام بإعادة الشراء من المشتري نفسه بعد مدة من الزمن تتغير فيها قيمته، بغض النظر عن كون الثمن الثاني أقل أم أكثر من الثمن الأول أم لا.
9_ أن عقد الإيجار المنتهي بالتمليك مع نفس الشخص الذي اشتريت منه الذات هو عقد بيع له بقيمة أكبر، وهو العينة المحرمة بالإجماع عندما يكون البيع الثاني ملتزما به في البيع الأول، وأن العقد الثاني يعتبر ناشئا وموجودا من تاريخ إبرام عقد الإيجار بثمن مؤجل، وليس من تاريخ التمليك الفعلي التالي لانتهاء الإيجار ودفع الأقساط، وهذا هو نفسه مناط العينة الصريح المحرمة بالإجماع عند الإلزام للواعد.
10_ أن مناط جواز عقد النهد الأصل الشرعي لجواز عقد التأمين هو الإباحة والإذن غير الملزم، وليس الإلزام لكلا الطرفين، كما هو مذكور في مستند جواز اشتراط الإلزام بعقد التأمين.
11_ أن مناط الجهل المغتفر في التبرعات عند بعض العلماء كالمالكية وبعض الشافعية إنما هو عندما يكون التبرع بالمجهول غير مشروط بجزاء مجهول أيضا، بخلاف ما ذكره معيار التأمين، من أن الفقهاء قالوا باغتفار الغرر في التبرعات مطلقا.
12_ أن مناط القول الشاذ بإباحة بيع الوفاء هو الالتزام بإعادة البيع لنفس البائع بنفس الثمن بعد مدة من الزمن، وليس الالتزام بإعادة بيعه له بثمن أكثر، فإن ذلك محرم بالاتفاق، بغض النظر هل تغيرت القيمة والسلعة أو لم تتغير، خاصة لو كان تغيرها بالنقص بدل الزيادة، أو بزيادة أقل من السعر الملتزم به، بخلاف ما ذكره معيار إعادة الشراء.
13_ أن المضاربة بالدين مناط لعدم تحمل رب المال مسؤولية الدين مع عدم استحقاقه للربح أيضا، وليست مناطا لعدم تحمله مسؤولية الدين مع استحقاقه للربح عنه، كما احتجت المعايير لجواز المسؤولية المحدودة للشركاء في بعض الشركات الحديثة.
14_ أن مناط القبض الحكمي في البيع يتضمن أمورا ثلاثة، الأول هو التعيين حين العقد، أو بعده بحضور المشتري أو وكيله، والثاني هو التخلية بينه وبين المبيع على الوجه المعتاد في العرف، والثالث هو انتقال الضمان على المشتري، أما مجرد التخلية بلا تعيين عند العقد، ولا بعده بحضور المشتري أو وكيله، وبلا انتقال للضمان على المشتري أصلا، فليست مناطا للقبض الحكمي من المشتري عند أحد من الفقهاء، ولا في عرف الناس، كيف وهو لا يتحمل مسؤوليتها ولا ضمانها، خلافا لما تقوله المعايير، وتطبيقات ذلك ثلاثة، وهي:
أ: اعتبار قبض مستندات التخزين أو الشحن قبضا للطعام المشترى على الكيل أو الوزن.
ب: اعتبار قبض الشيك المصرفي قبضا حكميا لمضمونه.
ج: اعتبار الدفع ببطاقة الائتمان قبضا حكميا للمبلغ المسدد بها.
15_ أن التخلية العرفية عند الحنفية ليست مناطا لجواز البيع قبل القبض فيما اشتري على الكيل أو الوزن قبل كيله أو وزنه كما هو مذكور في مستندات المعايير.
16_ أن مناط جواز العقد بثمن المثل أو أجرة المثل عند ابن تيمية والحنابلة هو أحد أمرين، إما علم البائع أو المؤجر بالسعر حين العقد، واستقراره عنده، حتى لو جهله المشتري والمستأجر، باعتبار كون المشتري موكلا للبائع، مفوضا له في ذلك، ويجب على الوكيل عدم الزيادة على موكله عن سعر المثل، والمناط الآخر للجواز هو التعاقد بينهما على جهة الإباحة والمواعدة غير الملزمة، عند جهل كل منهما له، بحيث يقع التعاقد الفعلي وقت المحاسبة إن حصل التراضي، لا وقت الأخذ، وفي حالة عدم التراضي يتم الرجوع لثمن المثل في وقت القبض على سبيل التعويض، مع الحق في التوقف والفسخ لكل منهما في أي وقت، وليس على اللزوم مع الجهل بالسعر من كل منهما، كما هو الحال في فتوى ربط الأجرة بمعيار مستقبلي على اللزوم.
17_ أن الوعد الملزم بشراء السلعة قبل تملكها دون منح حق الخيار لكلا الطرفين هو عقد بيع لها قبل تملكها، وليس وعدا أو مخرجا شرعيا قال بجوازه أحد من العلماء، خلافا لما قالته المعايير في المرابحة للآمر بالشراء مع لزوم الوعد.
18_ أن العوارض الطارئة والجوائح إنما تعتبر مناطا لإلغاء الالتزام أو تعديله عندما يكون العقد واردا على شيء معين طرأ له تلف أو نقص أو تعيب، في عقود خاصة دون غيرها، وليست مناطا لإلغاء الالتزام أو تعديله في العقود على الأشياء غير المعينة التي في الذمة، أي على الديون الناشئة عن بيع سلع مؤجلة، كعقود التوريد والاستصناع والسلم، خلافا لما تنص عليه المعايير.
19_ أن المشقة التي هي مناط للتخفيف إنما هي المشقة غير المعتادة، وليست المشقة المعتادة وقت نزول التكليف، بخلاف ما ذكرته المعايير في معيار التحول من المؤسسة التقليدية إلى مؤسسة إسلامية، عندما نصت على جواز الاستمرار في العقود الفاسدة عند خوف إفلاس المؤسسة أو تعثرها، فتلك مشقة معتادة.
20_ أن المشقة التي هي مناط للتخفيف إنما هي المشقة غير المعتادة، وليست المشقة المعتادة وقت نزول التكليف، بخلاف ما ذكرته المعايير عندما نصت على جواز إعادة التأمين التقليدي للمشقة، مع أن مشقة عدم التأمين أصلا عند وقوع البلاء هي مشقة قديمة معتادة.
21_ نص المعايير على أن العمولة على الحوالة هي أجرة على إيصال المال، مع أن الحوالة قد تكون لحساب عميل آخر في نفس المصرف أو لحساب له في مصرف مدين للمصرف المحول أو في مصرف آخر غير مدين لذلك المصرف، وبالتالي فإن العمولة قد تكون في مقابل تنفيذ عملية حوالة فقط، وقد تكون جزءا من ثمن شراء لدين مملوك للبنك المحول على البنك المحول عليه، أو أجرة على شراء نقد حال من البنك المحول عليه لمصلحة العميل بنقد في ذمة مصرف ثالث يسمى المصرف المغطي، وقد يكون غير ذلك، وهذا كله يمكن أن يكون بعملة من نفس الجنس، وقد يكون بعملة مختلفة، فهي أجرة على عقود يصل بها المال، تختلف باختلاف حكم كل عقد، وليست مجرد أجرة على إيصال عين المال.
22_ اعتبار الحوالة المصرفية القائمة على شرط التسليم بعملة أخرى للطرف المحول له مجرد عقدي صرف وحوالة مجتمعين، بينما هي في الحقيقة تتضمن فسخ دين في دين على نفس المصرف المدين بعملة أخرى غير عملة الدين، ثم تحويله على المصرف الآخر.
23_ افتراض تحقق مناط إباحة السفتجة نفسه في مسألة القروض المتبادلة:
حيث استند المعيار رقم 58 في إباحة القروض المتبادلة إلى كون المنفعة فيها مشتركة، لا تخص المقرض، كالسفتجة، رغم أن الشرط الموجود في السفتجة شرط واحد ينتفع به كلا الطرفين، بينما القروض المتبادلة يوجد فيها عقدان، الثاني منهما منفعته متمحضة للمقرض، وليس نفعه مشتركا بينه وبين المقترض.