كتاب مناقشة الدرجات الفلكية المعتمدة والمقترحة لحساب وقت صلاة الفجر
مناقشة الدرجات الفلكية المعتمدة والمقترحة لحساب وقت صلاة الفجر
من المعلوم لدى الباحثين في الفقه الإسلامي المعاصر، ممن لهم اطلاع على المعايير المعتمدة رسميا لتقدير أوقات الصلوات بالحسابات الفلكية، أن الدرجة المعتمدة كمعيار لتقدير وقت صلاة الفجر في جميع دول العالم الإسلامي تدور حول أربع تقديرات متقاربة، هي:
أولا: اقتراب الشمس من الأفق قبل الشروق بمقدار 18 درجة، وهو قول المجمع الفقهي بجدة، واختيار غالبية دول العالم الإسلامي.
ثانيا: اقتراب الشمس من الأفق بمقدار 18.5 درجة وهو قول المملكة العربية السعودية، وقريب منه اختيار الدولة الليبية، مع تأخر قليل أحيانا.
ثالثا: اعتماد الدرجة 19.5 تحت الأفق، وهو المعيار الرسمي لدولة مصر.
رابعا: اعتماد الدرجة 19 تحت الأفق، وهو المعيار الرسمي للمملكة المغربية .
وفي المقابل وجدت آراء فلكية وشرعية أخرى غير رسمية، تعترض على هذه الدرجات، وتقترح درجات أخرى بديلة عنها، أقل منها، كمعيار ثابت للصلاة والصيام معا، مثل الدرجة 16.5، والدرجة 14.6، والدرجة 14 والدرجة 16 وغيرها . ولعل أهم ما يجهله كثير من الباحثين في هذا الموضوع هو وجود أقوال لفقهاء متقدمين ومتأخرين كثيرة، لا تسلم بصحة أي تقدير حسابي لدرجة فلكية ثابتة لموعد صلاة الفجر في جميع أيام السنة، لا تتقدم ولا تتأخر، وترى أن ذلك غير ممكن أصلا من الناحية الواقعية والعلمية، مع وجود أقوال أخرى لفقهاء ومؤقتين متقدمين، تعترض على هذه الدرجات تحديدا، وتقترح درجات أخرى بديلة عنها، مما يشير إلى أن تلك الدرجات في مجملها، سواء المقترحة منها أو المعتمدة لوقت صلاة الفجر، هي درجات محل نقاش ونظر، لا يمكن التسليم بها على إطلاقها، دون زيادة تحرير وتحقيق لمبررات العمل بها، وتنقيح معاييرها الرصدية والحسابية، وهو ما جعلني أرغب في الكتابة في هذا الموضوع، وزيادة البحث فيه، رصدا ونقلا، لإظهار ما يمكن إظهاره فيه من أدلة وحجج، ومناقشة تلك الدرجات الرسمية والمقترحة أيضا، لعلها تكون حافزا لإعادة النظر الفقهي في تلك المعايير بشكل جاد.
موضوع الدراسة وأهدافها: تهدف الدراسة إلى استخلاص ما يمكن استخلاصه من الأدلة العملية والنظرية لإثبات أو نفي ما يثار من شكوك حول صحة المعايير الرسمية أو المقترحة للإعلان عن دخول وقت صلاة الفجر، وتقوم أساسا على الجمع بين الرصد الفعلي للفجر الصادق والكاذب في مواقع مظلمة تماما، والنظر في كتب الفقهاء المجتهدين من السابقين، وأقوال علماء الفلك والمؤقتين، للتعرف على موجبات الشك أو الظن بصحة أو خطأ هذه المعايير، وهل هي فعلا كافية لتحقيق الظن الغالب أو اليقين بدخول الوقت في جميع أيام السنة أم لا؟
الدراسات السابقة: نظرا لكثرة ما كتب في الموضوع من دراسات، وضيق الوعاء المتاح للنشر في المجلات العلمية عن الاستيعاب لها، فإنني سوف أكتفي هنا بالإشارة إلى عناوين أهم تلك الدراسات، مقسما إياها إلى طائفتين، إحداهما مؤيدة للدرجات الرسمية، والأخرى معترضة عليها، مع عرض أهم ما ظهر لي من ملاحظات على كل منهما، مما دعاني إلى الكتابة في نفس الموضوع، استكمالا لما يمكن استكماله من جوانب أشارت لها تلك الملاحظات، وأبدأ أولا بعرض الدراسات المؤيدة للدرجات المعتمدة، فأقول:
أولا: الدراسات المؤيدة للدرجات المعتمدة رسميا:
1_ إيضاح القول الحق في مقدار انحطاط الشمس وقت طلوع الفجر وغروب الشفق. لمحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرزاق الفاسي. سنة 1975م.
2_ رسالة في تعيين وقت الإمساك للصوم ووقت صلاة الفجر، لابن الخياط الزكاري الحسني، المتوفى سنة 1345 هـ الموافق 1927 م.
3_ إشكاليات فلكية وفقهية حول تحديد مواقيت الصلاة. للأستاذ محمد شوكت عودة.
4_ دراسة دار الإفتاء المصرية في توقيت الفجر، لمفتي مصر، الشيخ شوقي إبراهيم علام.
5_ دراسة مواقيت الصلاة في ليبيا.
الملاحظات العامة على هذه الدراسات:
أ: أن أكثرها باستثناء الدراسة الأخيرة يدعي الإجماع على عدم وجود قول بدرجة أقل من الدرجة (18) أو أكثر من الدرجة (20)، وأن ظهور الفجر الصادق منحصر فيما بين هاتين الدرجتين، وهو ادعاء غير مقبول، لأن القول بعدم الانحصار في هذه المعايير، وعدم انضباط وقت الفجر أصلا هو قول معروف كما سيأتي، إضافة إلى وجود أقوال مشهورة تقترح درجات أقل، سيأتي بيانها في أثناء الدراسة.
ب: أنها تجاهلت مناقشة القول بعدم انضباط وقت الفجر في درجة واحدة.
ج: أن أكثرها غير متضمن لإثبات رصد فعلي خاص بصاحب الدراسة.
د: أنها لم تتناول الأقوال والشهادات التي أثبتت الدرجة 19 أو 20 لأي نقاش، ولم تعرضها على أي منهج من مناهج النقد والتحليل رغم غرابتها.
هـ: تجاهل الأرصاد المتأخرة عن الدرجة 18 بدرجتين أو أكثر أحيانا، مع وقوع كثير منها في سماء مظلمة بشكل نموذجي، كأرصاد الجمعية الفلكية الأردنية وغيرها.
و_ ادعاء أن الدرجات المعتمدة درجات قطعية، لا مجال للنظر أو المناقشة لصحتها.
ز_ خلوها عن وصف عملي للفجر الكاذب والصادق، كمقدار عرض الكاذب وارتفاعه والفرق بينه وبين الصادق.
ثانيا: أهم الدراسات المعترضة على الدرجات المعتمدة رسميا:
1_ دراسة الأستاذ عبد الملك علي الكليب: رئيس قسم المناخ والمراقبة الجوية بمطار الكويت المدني سابقا، سنة 1975 م، قال فيها إن الزاوية الصحيحة لصلاة الفجر هي 16.5 درجة.
2_ دراسة الجمعية الفلكية الأردنية: تحت إشراف دائرة قاضي القضاة ووزارة الأوقاف في المملكة الأردنية، بمشاركة دكاترة من الجامعة الأردنية وبعض المشايخ، بين (2/ 9/ 2009 – 12/ 6/ 2011) واقترحت الزاوية 16.5 أيضا.
3_ دراسات المعهد القومي لبحوث الفلك والجيوفيزياء في دولة مصر:
وهي ثمان دراسات نشرت باللغة الإنجليزية، في مجلة المعهد العلمية، وتم بعضها بالتعاون مع معهد إعداد الخطباء في جمعية أنصار السنة المحمدية، وبعضها سنة 1987م بالتعاون مع دار الافتاء المصرية والأكاديمية المصرية للبحوث العلمية والتكنولوجيا، وبعضها بالتعاون مع عمادة السنة التحضيرية بجامعة حائل في السعودية، تمت واحدة منها في السعودية، واثنتان في طبرق في ليبيا، والباقي في مصر، واقترحت بعضها الدرجة 15 وبعضها الدرجة 14.6، وبعضها 14،7، وبعضها 14.9، وبعضها الدرجة 14، وبعضها الدرجة 13.5.
الملاحظات الواردة على الدراسات المعترضة على الدرجات المعمول بها:
أ_ أنها كالدراسات المؤيدة للدرجات الرسمية، تجاهلت القول بعدم انضباط وقت الفجر فلكيا بمعيار ثابت، ودرجة واحدة.
ب_ تجاهل الأرصاد الصحيحة بدرجات فلكية أكثر وأقل من الدرجات المقترحة فيها.
ج_ إنكار إمكانية الرؤية للفجر على الدرجة 18 أو 17 في جميع ليالي السنة.
د_ اعتماد نظرية المتوسط الحسابي لنتائج الرصد، وتجاهل تأثير التقدم والتأخر في الظهور الفعلي للفجر على التقدم والتأخر في الوقت المعتمد لصحة الصيام أو الصلاة، وأن المتوسط ليس هو المعيار الحقيقي للظهور في كل ليلة.