رواية عِناق بلون الرماد
صدحت الحناجرُ حين اندلعت الثورة (حرّية)، يوم خرج الناس من صمتهم الطويل ليكتبوا بدمائهم وأحلامهم بداية جديدة، وصارت الشوارع تغلي بالهتاف ضد القمع الذي مارسه النظام الأسدي الغاصب الوحشي.
كتبت هذه الرواية قبل أن يشرق فجر التحرير بِعِدَّة سنوات، وتم نشرها لأول مرة عام 2019، فكانت شهادة على زمنٍ كان فيه الواقع السوري رهينة العجز، وصوت الأمل يواجه ظلام القمع الأسدي الوحشي. كانت الرواية تحت عنوان(رهينة الواقع العاجز) مع دار يافي للنشر والتوزيع.
واليوم، ومع الذكرى السنوية الأولى للتحرير، تعود الرواية في حُلّتها الالكترونية الجديدة تحت اسم "عِناق بلون الرماد"، لتكون ذاكرةً حيَّة وشهادةً على أحلامِ شعبٍ قاوم وناضل، بالقهر والدم والدموع وظل يبحث عن نورِ الحرية حتى ولو دفع الثمن غالياً.
فالشعوب إذا أرادت الحياة..لن يقف في وجهها طغيانٌ ولا قيد.
1..من المؤسف أن تكون للمرء ذكريات بشعة تثبت في الذاكرة كشاهدٍ على لحظةٍ لا يمكن تجاوزها، ثم تتساقط ذكرياته التي سبقتها، كطيفٍ يذوب في ظلال الحقيقة المشتعلة ورائحة الزمان المحترق..تتلاشى الصور والأصوات لأناسٍ كانوا في لحظةٍ ما ثم اختفوا، ويبقى الألم ينخر في الجسد كالصدأ على الحديد.
2الذاكرة ليست مجرد صندوق ٍقديم نحتفظ فيه بالماضي ثم نفتحه في كل مرةٍ لنسترجع مافاتنا من لحظات، بل هي الجسر الممتد الذي نُعرّف به أنفسنا، من أين جئنا، وإلى أي جانبٍ ننتمي، من نحن!
بالنسبة لي، حين انهار ذلك الجسر، وجدتني واقفة على ضفةٍ معزولة ضبابية، أبحث عن طريقٍ آخر للعبور للضفة الأخرى.
لم يكن فقط السؤال عندي : من كنتُ، من أنا؟ بل ومن سأكون الآن في تاريخي الجديد الذي بدأت أكتبه.
3 لم يكن بحاجة للكلام، فقط وجودها كان كفيلاً بأن يمنحه القوة ليواجه قتامة الموت الذي يحيط فيهما، ملمس كفها المرتعش الخجول على كتفه يكفيه، أغمض عينيه، وأخذ نفساً عميقاً والريح تداعب شعره فشعر بالارتياح يغمره، فتح عينيه ليجد قمر بجانبه وتنظر إليه بعينين تحملان مشاعر يخشى من أن تظهر، يخاف، كانت كالملاك بزي المستشفى، بحجابها الأبيض، تشاركه صمته وألمه، نهض متمسكاً بالشجاعة منها ثم همس بخفوت: شكراً لوجودكِ معي.
مشى خطوتين ففاجئه صوت الرصاص الذي يدوي بالبعيد، توقف ثم خاطبها :تعالي، هناك من يطلب المساعدة.
4 ربما يكون الأمل مجرد وميض خاطف لكنني سأمسكه بقبضتي، سأسجنه كيلا يهرب من جديد، تقدمت منها، كانت تجلس على السرير وهي شاردة بعتمة محيط المستشفى من زجاج النافذة بعدما تجهزت لنغادر، جلست بجانبها، مسحت على شعرها الأسود الطويل المشعث فاستدارت ناحيتي، تجاهلت التشوه الذي شوهني داخلياً وغرقت بعينين صافيتين، كغاباتٍ استوائية واسعة، تمنيت أن أقتحم هاتين العينين، لأغوص فيهما وأغرق، لأتوه ناسياً جميع ما يجري، وددت لو أهمس لها أنني متعب من قلة الأمل، متعبٌ يا حبيبتي... يا وجه الوطن الآخر الغارق في ابتلاءاته..
تخذلنا أيامنا والأمل حين نناجيه إنهاء مأساتنا فيُدبِر، لكنه يعود بحلةٍ جديدة لأنه فوق قانون الرغبات والأحلام، أمل تلاشى من تكوين عائلة، مع من اختارها قلبي راضياً، مع من اخترتها كملاذٍ أنثويٍ عشقته بكل تفاصيله وانساب من بين يدي بلحظة لم أحسب لها حساباً. كانت وماتزال امرأةً بيني وبينها خطوة، وآلافٌ من الأميالِ والنيران ..